الشيخ محمد النهاوندي

346

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَالْمَغْرِبُ وبه تختصّ جميع الجهات ، ليس أحدها أقرب إليه وأخصّ به من الأخرى ، وهو يَهْدِي بأمره مَنْ يَشاءُ هدايته من أهل العالم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ والطريق الموصل إلى قربه ورضوانه ، وهو التوجّه إلى الجهة التي فيها الحكمة ومصلحة العباد ، فتارة تكون بيت المقدس ، وأخرى الكعبة ، وإنّما كان التوجّه إلى الكعبة صراطا مستقيما لأنّه غير مائل إلى قبلة اليهود وهو بيت المقدس ، وإلى قبلة النّصارى وهو المشرق ، فإنّ المشرق والمغرب مضلّة حيث إنّ في التوجّه إليهما مظنّة التوجّه إلى الشّمس وعبادتها . وقيل : وجه تقديم هذه الآية على آية : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ « 1 » والإتيان فيها بفعل المضارع ، تقدّم نزولها على تحويل القبلة وحصول الاعتراض ، حيث إنّ قبل الرّمي يراش السّهم ، وقبل توجّه الاعتراض يعلّم المؤمنون بيان ردّه ، وفيها دلالة على إمكان النسخ ووقوعه . وحاصل تقرير الجواب : أنّ جميع الأرض ملك للّه ، ونسبتها إليه تعالى سواء ، ليس مكان أقرب إليه وأخصّ به من مكان آخر ، وإنّما المصلحة في جعل جهة القبلة متفاوتة في الأزمنة ، فقد تكون المصلحة في الأمر بالتوجّه إلى بيت المقدس في برهة من الزمان ، ثمّ تتغيّر وتكون في الأمر بالتوجّه إلى الكعبة ، فتغيير الحكم ليس من جهة انكشاف الخطأ في تشخيص المصلحة حتّى يلزم البداء المحال . وأمّا شبهة التجهيل فواضحة البطلان ، فإنّ عدم الإعلام ليس تجهيلا قبيحا لبداهة عدم وجوب الإعلام بالتّكليف بقيوده وغايته قبل وقت الحاجة . في بيان حكمة جعل القبلة ثمّ اعلم أنّه ذكر بعض لتعيين القبلة حكما عديدة : إحداها : أنّ اللّه تعالى خلق في الإنسان قوّة عاقلة مدركة للمجرّدات والمعقولات ، وقوّة خياليّة متصرّفة في عالم الأجسام والمحسوسات ، وقلّما تنفكّ القوّة العاقلة عن مقارنة القوّة الخياليّة ومصاحبتها والاستعانة بها . فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقليّ مجرّد ، وجب أن يضع له صورة خياليّة حتّى تكون تلك الصورة الخياليّة معينة على إدراك ذلك المعنى العقليّ ، ولذلك يضع المهندس - إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير - صورة معيّنة وشكلا معيّنا ، ليصير الحسّ والخيال معينين على إدراك ذلك

--> ( 1 ) . البقرة : 2 / 144 .